📰 إشكالية تمثيل الجالية السورية في هولندا
غياب المجلس الموحّد للجالية
رغم مرور نحو عقد على وجود عدد كبير من السوريين في هولندا، الذين يتجاوز عددهم مئة ألف شخص ويضمّون نخبة من الكفاءات العلمية والفكرية والاجتماعية والسياسية، لم تنجح حتى الآن أي محاولة لتأسيس مجلس أو رابطة تمثّل الجالية السورية.
فمنذ عام 2016 ظهرت محاولات متعددة لإنشاء كيان جامع، لكنها سرعان ما تعثّرت، وأدّت أحيانًا إلى خلافات داخلية بين أفراد الجالية بدلًا من توحيد صفوفهم.
أسباب الفشل: الإرث الثقافي والنفسي
يُعزى هذا الإخفاق إلى الاعتياد على العمل الفردي، وهو نتيجة مباشرة للبيئة السياسية والاجتماعية التي عاشها السوريون لعقود.
فالنظام في سوريا عمل على تفتيت الروابط المجتمعية وزرع الشك وانعدام الثقة بين الأفراد، مما جعل العمل الجماعي أمرًا غير مألوف.
وفي المقابل، انشغل القادمون الجدد إلى هولندا بشؤونهم الخاصة، خصوصًا بعد أن تكفّلت الدولة الهولندية بتأمين احتياجاتهم المعيشية والقانونية، مما قلّل من شعورهم بالحاجة إلى الانتماء إلى مجموعة أو كيان جماعي.
كما أن قيم الديمقراطية والحرية والمساواة في المجتمع الهولندي جعلت الفرد أكثر استقلالية، وأقلّ اعتمادًا على الروابط الجماعية.
اختلاف مفهوم الدولة بين سوريا وهولندا
تاريخيًا، اعتاد السوريون على الاعتماد على الدولة كجهة راعية تمتلك أدوات القوة وتدير المجتمع من الأعلى إلى الأسفل.
إلا أن النظام المؤسسي في هولندا يختلف جذريًا، إذ تقوم الدولة على توزيع المسؤوليات بين المجتمع المدني، والمنظمات المستقلة، والمبادرات المحلية، مما يتطلب مشاركة مجتمعية فاعلة لا مجرد انتظار القرارات من فوق.
تجربة المجلس الاستشاري السوري
سعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الهولندية، بالتعاون مع الجهات المختصة، إلى تأسيس مجلس استشاري للجالية السورية، أسوةً بما فعلته مع جاليات أخرى مثل الكردية والمغربية.
في البداية، علّق كثيرون آمالهم على هذا المجلس، لكن سرعان ما خاب الأمل بعد مرور أكثر من عام على تأسيسه دون تحقيق نتائج ملموسة.
غرق المجلس في بيروقراطية المشاورات وعدم وضوح الأهداف، مما أدى إلى انسحاب عدد من أعضائه وتراجع الحماس الشعبي تجاهه.
ويرى البعض أن الحكومة الهولندية أرادت فقط إظهار وجود مجالس للجاليات شكلًا لا مضمونًا، بينما يعتبر المؤيدون للمجلس أن السوريين يستعجلون النتائج ولا يمنحون الوقت الكافي للنضوج المؤسسي.
لماذا يفشل السوريون في العمل الجماعي؟
يبقى السؤال الأهم:
لماذا لم تنجح محاولات تمثيل الجالية السورية في هولندا ومعظم الدول الأوروبية؟
وهل يصح القول إن السوريين بارعون في العمل الفردي ولكنهم متعثرون في العمل الجماعي؟
المقارنة مع تجارب جاليات أخرى مثل المغربية والتركية تكشف أن الدولة الأم في تلك الحالات لعبت دورًا أساسيًا في تأسيس روابط ومجالس للجالية بالتنسيق مع السفارات والوزارات المختصة، وهو ما تفتقر إليه الحالة السورية بسبب غياب مؤسسات وطنية فاعلة تمثل جميع السوريين.
نحو “لوبي سوري” مدني مستقل
إنّ الاعتماد المفرط على مؤسسات الدولة أو انتظار مبادرات رسمية من الخارج أو الداخل هو نوع من التنصّل من المسؤولية المجتمعية.
ما يحتاجه السوريون اليوم هو هيئة مدنية تطوعية مستقلة، تعمل وفق فلسفة واضحة وآليات شفافة، لتكون بمثابة "لوبي سوري" في بلدان اللجوء، يسعى إلى تعزيز الحضور السوري في الحياة العامة، والدفاع عن مصالح الجالية، والمساهمة في السياسات المحلية.
ويبقى السؤال المفتوح:
من الذي سيؤسس هذا اللوبي السوري؟
هل هم الإعلاميون؟ أم المفكرون؟ أم الباحثون؟ أم مراكز الأبحاث؟ أم ببساطة أولئك الذين لا يزال في داخلهم نداء الانتماء إلى سوريا؟